المحقق البحراني
16
الكشكول
تنازع في مرضه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما رواه الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن ابن عباس ثم ساق الرواية حسبما قدمناه في صدر المقالة ثم قال : والخلاف الثاني في مرضه أنه قال : « جهزوا جيش أسامة لعن اللّه من تخلف عنه » فقال قوم يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة ، وقال قوم قد اشتد مرض النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحال هذه فنصير حتى أي شيء يكون من أمره ثم قال : وإنما أوردت هذين التنازعين لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من المخالفات المؤثرة في أمر الدين وهو كذلك وإن كان الغرض منه كله إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب وتسكن ثائرة الفتن المؤثرة عند تقلب الأمور - انتهى كلامه . فيا معشر ذوي العقول والأحلام تأملوا في كلام هؤلاء الفحول الأعلام وانصفوا فالإنصاف من شيم الكرم وهل نقل عن أحد من أولئك الأصحاب الخلاف له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في باب من الأبواب غير ابن الخطاب في الحياة وحال الوفاة بل وبعده من تلك الأوقات ، وهل أحد تجرأ عليه في وجهه برد كلامه وأساء الأدب إليه غير أولئك المرتاب ؟ هب سلمنا ان غيره في زمنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خالفه في بعض الأمور وامتنع عن قبول بعض أحكامه في ورود أو صدور هل أثر خلافه في الأمة أو جرى في الأسماع غير مخالفات ابن الخطاب التي سارت في جميع الأصقاع وامتلأت بها الفجاج والبقاع بل صارت له مناقب تتلى على رؤوس الأشهاد ويفتخر بها أتباعه بين العباد ، حتى بنوا وشيدوا عليها الأحكام وجعلوها أصولا يرجع إليها في الحلال والحرام ، فهذه هي البذور بمقتضى تقريره المسطور وما بناه عليها أتباعه هي الزرع التي سيحصدونها يوم المآب والرجوع . والعجب من عقولهم الواهية بعد ذكر هذه الفضائح المستنكرة يرومون التستر عنها بهذه الأعذار البالغة في السماجة والوقاحة إلى حد قد تجاوز الساحة ، حيث أنه خذله اللّه تعالى بعد أن قرر في المقدمة الثالثة أن أول شبهة وقعت في الخليفة شبهة إبليس وأن مصدرها استبداده بالرأي في مقابلته بالنص واختياره الهوى في معارضة الأمر ، وإن هذه الشبهة هي أصل شبهة الضلال السائرة في الأمم وجملتها ترجع إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف والجنوح إلى الهوى في مقابلة النص ، وكان هذا كله صادقا على ما وقع من أئمته من الخلاف للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أراد أن يعتذر عنهم بما لا يزيده معهم إلا فضيحة الأبد والخزي الظاهر عند كل أحد ، متى كان الغرض من مخالفتهم إنما هو إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين فاللازم منه أن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المرسل لإقامة الدين ورحمة للعالمين بأمره بتلك الأشياء قد خرج عن طريق الحق وخالف جادة الشرع المبين ،